محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بعض القرآن ، فاختلفوا في قراءتهُ دون تأويله ، وأنكر بعضٌ قراءةَ بعض ، مع دعوى كل قارئ منهم قراءةً منها : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه ما قرأ بالصفة التي قرأ . ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) فكان من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، أن صوَّب قراءة كل قارئ منهم ، على خلافها قراءةَ أصحابه الذين نازعوه فيها ، وأمرَ كل امرئ منهم أن يقرأ كما عُلِّم ، حتى خالط قلبَ بعضهم الشكُّ في الإسلام ، لما رأى من تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءةَ كل قارئ منهم على اختلافها . ثم جَلاهُ الله عنه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له : أن القرآن أنزل على سبعة أحرف . فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، عندك - كما قال هذا القائل - متفرقةً في القرآن ، مثبتةً اليوم في مصاحف أهل الإسلام ، فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر كلا أن يقرأ كما عُلم . لأن الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن ، فغير مُوجب حرفٌ من ذلك اختلافًا بين تاليه ( 2 ) لأن كل تالٍ فإنما يتلو ذلك الحرفَ تلاوةً واحدةً على ما هو به في المصحف ، وعلى ما أنزل . وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل وجه اختلاف الذين رُوى عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة ، وفسد معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم كلَّ قارئ منهم أن يقرأه على ما عُلم . إذْ كان لا معنى هنالك يُوجب اختلافًا في لفظ ، ولا افتراقًا في معنى . وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلافٌ بين القوم ، والمعلِّم واحدٌ ، والعلم واحدٌ غير ذي أوجه ؟ وفي صحة الخبر عن الذين رُوى عنهم الاختلافُ في حروف القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى

--> ( 1 ) في المخطوطة : " ثم اختلفوا إلى رسول الله " ، وهما سواء . ( 2 ) هي " تالين " جمع " تال " ، مضافة إلى الضمير ، فحذفت النون .